ابن قيم الجوزية

258

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

وأنت إذا أبغضت رجلا بغضا شديدا ، أو أبغضت كلامه ومجالسته ، تجد على عينك غشاوة عند رؤيته ومخالطته ، فتلك أثر البغض والإعراض عنه ، وغلّظت على الكفار عقوبة لهم على إعراضهم ونفورهم عن الرسول ، وجعل الغشاوة عليها يشعر بالإحاطة على ما تحته كالعمامة ، ولما عشوا عن ذكره الذي أنزله ، صار ذلك العشا غشاوة على أعينهم ، فلا تبصر مواقع الهدى . فصل وأما الصد فقال تعالى : وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ( 37 ) [ غافر ] . قرأ أهل الكوفة على البناء للمفعول حملا على زيّن ، وقرأ الباقون : وصدّ بفتح الصاد ، ويحتمل وجهين : أحدهما إعراض ، فيكون لازما ، والثاني يكون صد غيره ، فيكون متعديا ، والقراءتان كالآيتين لا يتناقضان . وأما الشد على القلب ففي قوله تعالى : وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 88 ) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما ( 89 ) [ يونس ] . فهذا الشدّ على القلب هو الصدّ والمنع ، ولهذا قال ابن عباس : يريدا « 1 » منعها ، والمعنى : قسّها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان ، وهذا مطابق لما في التوراة ، إن اللّه سبحانه قال لموسى اذهب إلى فرعون ، فإني سأقسّي قلبه ، فلا يؤمن حتى تظهر آياتي وعجائبي بمصر ، وهذا الشد

--> ( 1 ) هكذا وردت ، والأصل أن تكون « يريدان » .